الفصل 14:|ڪتاب جيسيكا الثاني|
سنة مرت بعد تلك الليلة في الكهف.
سنة كاملة من الهدوء التام.
لا مكالمات مشبوهة، لا رسائل غامضة، لا أشخاص يسألون عن ماضيّ.
فقط الحياة العادية، البسيطة، الجميلة في عاديتها.
عملي في المتجر، قراءاتي المسائية، نزهاتي على الشاطئ.
كنت قد بدأت أكتب أيضًا. قصصًا قصيرة في البداية، ثم شيئًا أطول.
كنت أكتب عن كل ما حدث، بطريقتي، بكلماتي.
لم أكن أعرف إذا كان سأنشرها يومًا، لكن الكتابة نفسها كانت علاجية.
كانت طريقة لإخراج كل الظلام، كل الألم، كل الخوف من داخلي، ووضعه على الورق حيث يمكنني رؤيته، فهمه، السيطرة عليه.
***
في صباح ربيعي جميل، كنت أفتح المتجر عندما رأيت شاحنة توصيل تتوقف أمام الباب.
رجل نزل، يحمل صندوقًا كبيرًا.
"توصيل للآنسة لوميرا هيل؟"
"نعم، أنا."
"وقّعي هنا من فضلك."
وقعت، وأخذت الصندوق. كان ثقيلًا، مغلفًا بعناية.
لا اسم مرسل.
دخلت إلى المتجر، وضعت الصندوق على المنضدة، وفتحته بحذر.
بالداخل، كتب. عشرات الكتب، كلها نسخ من نفس العنوان.
"الشتاء الأحمر: الحقيقة الكاملة وراء أساطير بلاكريدج"
بقلم: جيسيكا رايلي
قلبي قفز.
كتاب جديد. كتاب ثانٍ.
سحبت أحد النسخ، فتحته.
على الصفحة الأولى، إهداء مكتوب بخط اليد:
"إلى لوميرا،
الشجاعة ليست غياب الخوف، بل مواجهته رغم وجوده.
شكرًا لك على أن كنتِ أشجع امرأة أعرفها.
هذا الكتاب لك، وللحقيقة التي لم تخافي من قولها.
مع كل حبي وإعجابي،
جيسيكا"
ابتسمت، شعرت بالدموع تتجمع في عيني.
بدأت أقرأ.
***
الكتاب كان مختلفًا عن الأول.
الأول ركز على الفساد، على الجرائم البشرية، على المحاكمات.
لكن هذا... هذا كان أعمق.
تحدث عن الأساطير، عن التاريخ القديم لبلاكريدج، عن القصص التي رواها الناس عبر الأجيال.
وفيه فصل كامل، طويل ومفصل، عن الغول.
عن المخلوق الذي عاش تحت الأرض لقرون.
عن كيف استعبدته عائلة ويذرسبون.
عن كيف أنقذ طفلة صغيرة اسمها إليزابيث.
وعن كيف، في النهاية، وجد السلام.
لم تذكر جيسيكا اسمي مباشرة في هذا الفصل، بل استخدمت "الشاهدة"، "الناجية".
لكن أي شخص قرأ الكتاب الأول سيعرف من تقصد.
وفي النهاية، كتبت:
"هل الغول حقيقي؟ لا يمكننا إثبات ذلك بشكل قاطع. لكن شهادات متعددة، من أشخاص مختلفين، عبر عقود، تشير إلى شيء... شيء آخر. شيء قديم، شيء قوي، شيء لا يمكن تفسيره بسهولة.
ربما بعض الأساطير حقيقية.
ربما العالم أكثر غرابة مما نعتقد.
وربما، فقط ربما، الوحوش ليست دائمًا ما نخاف منه."
أغلقت الكتاب، وضعته على صدري.
شكرًا لك يا جيسيكا.
شكرًا لك على روايتها، على تصديقها، على جعلها حقيقية.
***
الكتاب أصبح من أكثر الكتب مبيعًا في غضون أسابيع.
الناس أحبوه، أحبوا القصة، أحبوا الغموض، أحبوا السؤال المفتوح في النهاية.
وفجأة، أصبحت بلاكريدج مشهورة مرة أخرى.
لكن هذه المرة، ليس كمدينة فاسدة، بل كمدينة غامضة، مثيرة، مليئة بالأساطير.
جاء السياح، يريدون رؤية البيت القديم (الذي لم يعد موجودًا)، يريدون المشي في الغابة الشمالية، يريدون سماع القصص من السكان المحليين.
راميريز اتصل بي، ضاحكًا.
"لن تصدقي ما حدث. بلاكريدج أصبحت وجهة سياحية!"
ضحكت أنا أيضًا.
"حسنًا، على الأقل شيء جيد خرج من كل هذا."
"نعم. المدينة تزدهر أخيرًا. بطريقة نظيفة، شرعية."
"أنا سعيدة."
"وأنتِ؟ كيف حالك؟"
"بخير. حقًا بخير."
"جيد. تستحقين ذلك."
***
لكن الشهرة جلبت شيئًا لم أتوقعه.
رسائل.
عشرات، مئات الرسائل، من أشخاص في كل أنحاء البلاد.
بعضهم كان من قراء فضوليين، يريدون معرفة المزيد.
لكن بعضهم... بعضهم كان من أشخاص مثلي.
أشخاص فقدوا أحباءهم في ظروف غامضة.
أشخاص رأوا أشياء لا يمكنهم تفسيرها.
أشخاص يعيشون مع أسرار ثقيلة، لا يعرفون كيف يتعاملون معها.
رسالة واحدة على وجه الخصوص لفتت انتباهي.
من امرأة شابة تدعى إيما، تعيش في ألاسكا.
كتبت:
"عزيزتي لوميرا،
قرأت قصتك، وشعرت بأنني يجب أن أكتب لك.
أنا أعيش في قرية صغيرة في شمال ألاسكا، بعيدة جدًا عن الحضارة.
ومنذ ستة أشهر، بدأت أشياء غريبة تحدث.
اختفاءات. أصوات في الليل. آثار غريبة في الثلج.
والناس هنا يقولون إن هناك شيئًا في الجبال. شيئًا قديمًا.
أنا خائفة. لكن أيضًا... فضولية.
هل تعتقدين أن ما حدث في بلاكريدج يمكن أن يحدث هنا أيضًا؟
هل هناك مخلوقات أخرى مثل... مثل الغول؟
أرجو أن تردي.
إيما"
قرأت الرسالة مرتين، ثلاث مرات.
ألاسكا. شمال ألاسكا.
قريب من المكان الذي تركت فيه الغول.
قريب جدًا.
هل يمكن...؟
لا. لا يمكن أن يكون هو. الغول وعدني بعدم إيذاء أحد.
لكن... ماذا لو لم يكن هو؟
ماذا لو كانت إيما محقة؟
ماذا لو كانت هناك مخلوقات أخرى، مثله، في أماكن أخرى؟
***
فكرت طويلاً قبل أن أرد على رسالة إيما.
جزء مني أراد تجاهلها، أن أقول لنفسي أن هذا ليس من شأني، أنني دفعت ما يكفي، ضحيت بما يكفي.
لكن جزءًا آخر... جزءًا آخر شعر بالمسؤولية.
إذا كانت هناك فعلًا مخلوقات أخرى، وإذا كان الناس يختفون...
ألا يجب أن أفعل شيئًا؟
أخيرًا، كتبت ردًا:
"عزيزتي إيما،
شكرًا لك على رسالتك.
نعم، أعتقد أن هناك أشياء في هذا العالم لا نفهمها، أشياء قديمة، أشياء مختبئة.
لكن ليست كلها خطرة. وليست كلها شريرة.
إذا كان هناك فعلًا شيء في جبالك، كوني حذرة، لكن لا تخافي.
أحيانًا، الوحوش تكون فقط... وحيدة.
وإذا احتجتِ مساعدة، أي نوع من المساعدة، اتصلي بي.
سأكون هنا.
لوميرا"
أرسلت الرسالة، ثم جلست، أنظر عبر النافذة إلى المحيط.
***
بعد أسبوع، تلقيت ردًا من إيما.
"عزيزتي لوميرا،
شكرًا لك على ردك.
الاختفاءات توقفت. لا أعرف لماذا، لكنها توقفت.
وفي إحدى الليالي، رأيت شيئًا.
كنت واقفة عند نافذتي، أنظر إلى الجبال، وفجأة، رأيت أعينًا.
أعينًا حمراء، تلمع في الظلام.
كان يجب أن أخاف. لكنني لم أفعل.
لأنني شعرت... شعرت بأنه كان ينظر إليّ، ليس بجوع، بل بـ... فضول؟
ثم اختفى.
ومنذ ذلك الحين، أشعر بأمان أكثر.
كأن شيئًا ما يحرسنا، يحمينا.
هل تعتقدين أنه... هل تعتقدين أنه صديقك؟
إيما"
قرأت الرسالة، وابتسمت ابتسامة عريضة.
أعين حمراء.
يحرسهم.
يحميهم.
نعم. كان هو.
الغول.
عائلتي.
لم يكن يؤذي أحدًا. بل كان يحمي الناس.
كان يفعل ما وعدني به.
كان يكون... جيدًا.
***
كتبت ردًا أخيرًا لإيما:
"عزيزتي إيما،
نعم. أعتقد أنه هو.
وأعتقد أنك آمنة.
اعتني به، كما اعتنى بك.
وإذا رأيته مرة أخرى، قولي له...
قولي له إن لوميرا تقول مرحبًا.
وإنها تفتقده.
لوميرا"
***
مرت الأشهر.
الحياة استمرت، جميلة وبسيطة.
وأنا، أخيرًا، شعرت بالسلام الكامل.
لم تعد هناك كوابيس.
لم يعد هناك خوف.
فقط حياة، حياة حقيقية، حياة مليئة بالأمل والضوء.
وفي الليالي الهادئة، عندما أجلس عند النافذة وأنظر إلى النجوم، أفكر فيه.
أفكر في الغول، في عائلتي الغريبة، في المخلوق القديم الذي علمني معنى الحب الحقيقي.
الحب الذي لا يعتمد على الشكل أو النوع.
الحب الذي يتجاوز كل الحدود.
وأبتسم.
لأنني أعرف، في مكان ما، في جبال بعيدة، تحت سماء مليئة بالنجوم...
هو هناك.
يحمي، يحرس، يعيش بسلام.
وربما، فقط ربما، يفكر بي أيضًا.
وهذا، في النهاية، كل ما أحتاجه.
***
وهكذا، تنتهي قصتي.
قصة لوميرا هيل، الفتاة التي فقدت كل شيء، ثم وجدت عائلة في أغرب مكان.
قصة بلاكريدج، المدينة الملعونة التي وجدت الخلاص.
قصة الغول، الوحش الذي تعلم الحب.
لا أعرف ما الذي سيحمله المستقبل.
ربما يوم ما، سأزور الشمال مرة أخرى.
ربما سأرى تلك الأعين الحمراء الستة مرة أخرى.
ربما.
لكن حتى ذلك اليوم...
سأعيش.
سأكتب.
سأحب.
وسأتذكر دائمًا:
أن الوحوش الحقيقية ليست تلك التي تختبئ في الظلام.
بل تلك التي تتظاهر بالبشرية في النور.